الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
224
شرح ديوان ابن الفارض
وأوامي ، وفيه الطباق بين البرء والسقم ، وبين البرد والحرارة إن كان الأوام عبارة عن حر العطش . ( ن ) : قوله خفيت ، أي لم أظهر لأن الظهور بالوجود للحق تعالى لا لي . وضنا تمييز ، يعني أوصلني كثرة الأشواق في مقام المحبة الإلهية إلى أن خفيت من كثرة السقم . وقوله عن الضنا ، أي عن زيادة السقم بحيث لو أريد زيادة سقمي لما أمكن ، يعني تناهى بي السقم فلم يقبل الزيادة ، وهو وصوله إلى مقام الفناء في وجود الحق تعالى . وقوله برء أسقامي بكسر الهمزة مصدر أسقمه أي أمرضه ، يعني خفيت عن شفاء مرضي أيضا بحيث لو أريد شفائي من المرض لما أمكن ، وذلك لأنّ حالة الفناء في الوجود الحق رجوع إلى الحالة الأصلية بسلب توهم الوجود الحق أنه وجوده فحيث هو مريض في حالة فنائه فلا يقبل التغيير عن حالته لأنه في حضرة القضاء والقدر الأزلي الذي لا يقبل التغيير ولا التبديل ، وإنما ذلك في عالم الوجود الوهمي ، وقد زال عنه بالكشف والتحقيق . وقوله وبرد أوامي ، أي وخفيت أيضا عن برد أوامي ، أي عطشي ، وهو عطش المحبة الإلهية والأشواق الربانية ، فلا يقبل أوامه وعطشه الزوال لأنها حالته التي هو عليها في أزل الأزل . اه . ولم أدر من يدري مكاني سوى الهوى وكتمان أسراري ورعي ذمامي [ المعنى ] يريد بذلك أنه قد اختفى من شدّة السقم ، وأن غير الهوى لا يعرف مكانه لو طلب لما بينهما من الملازمة والمجانسة ، وأراد « بالهوى » هنا المحبة ولا شك أنها من قبيل الأمور المعنوية التي لا جسم لها . فكأنه يقول قد تحكم فيّ النحول فلم يبق فيّ سوى المحبة يجول . وكذا الكلام فيما عطف على الهوى من كتمان الأسرار ورعي الذمام . و « الذمام » بكسر الذال المعجمة العهد . ويتحصل من البيت معنى لطيف ، وهو أنه قد بقي بجسده النحيف ومعه صفات ثلاث : وهي الهوى وكتمان الأسرار في المحبة ورعي عهد الحبيب . لأنّ ما عدا هذه الصفات لا تهتدي عليه فكيف يجوز أن يتصف بها فاعلم ذلك . ( ن ) : قوله سوى الهوى ، أي غير الهوى لا يدري مكاني . وأما الهوى وهو المحبة الإلهية فإن ذلك يدري مكاني فيأتيني إليه ولو كنت في عالم الفناء الكلي ، والمعنى في ذلك أن وصف الهوى والمحبة الإلهية أمر ذاتي له لا يفارقه . وقوله وكتمان بالنصب عطفا على مكاني . وقوله أسراري ، جمع سر وهي العلوم الإلهية الخفية عن مدارك العقول ، وهذا الكتمان أمر خلقي لا صنع فيه للمحب العارف